دلائل الأرقام

النحل والنمل ومريم ابنة عمران

تاريخ الإضافة: الجمعة, 23 اكتوبر 2015 - 21:40 مساءً عدد المشاهدات: 889

    فُتِنَ أهلُ الكتاب بميلاد عيسى عليه السلام من غير أب، فما احتملت عقولهم أن الله على كل شيء قدير، وأن (الله يخلق ما يشاء) آل عمران: 47. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف: 54. ولو كان لهم دليل عقلي على استحالة ذلك لكانوا معذورين، ولكن لا دليل لهم إلا أن هذا خارج عن العادة. وهم في كل يوم يَرَوْنَ من شؤون الكون ما لم يكن معتادا من قبلُ، فمنه ما يعرفون له سببا ويعبِّرون عنه بالاكتشاف، ومنه ما لا يعرفون له سببا ويعبِّرون عنه بفلتات الطبيعة.

    ونحن معاشر المؤمنين نقول: ”إن تلك الأشياء المعبَّر عنها بالفلتات إما أن يكون لها سبب خفي وحينئذٍ يجب أن تهدي هؤلاء الجامدين إلى أن بعض الأشياء يجوز أن يأتي من غير طريق الأسباب المعروفة فلا يُنكروا كل ما يخالفها؛ لاحتمال أن يكون له سبب خفي لم يقفوا عليه، ولا ينزل أمر عيسى في الحمل به من غير واسطة أبٍ عن ذلك. وإما أن تكون قد وُجدت في الواقع ونفس الأمر خارقةٌ لنظام الأسباب، وحينئذٍ يجب أن يعترفوا بأن الأسباب الظاهرة المعروفة ليست واجبةً وجوبا عقليا مطَّردا، وإذا كان الأمرُ كذلك امتنع على العاقل أن ينكر شيئا ما ويعده مستحيلا لأنه لا يعرف له سببا“.

    ولئن سألتَ علماءَ الأحياء، لقالوا: إن التوالدَ من غير تلقيحٍ أو إخصابٍ أمرٌ شائعٌ في الطبيعة، وهو يُسمى في اصطلاح علماء الحيوان بالتوالد البكري أو العذري! ومثاله نتاج ذكور النحل! فإن نتاجها بأمر من أعجب العجيب، إذ تنشأ عادةً من بيض الملكة غير الملقَّح. فالبيوض التي تضعها الملكة لنتاج الذكور لا تُلَقَّحُ أبدا، بخلاف نتاج الإناث. وهذا هو السبب في أن خلايا ذكور النحل تحوي نصف الكروموزومات (16) التي في الإناث (32). فانظر إلى آثار رحمة الله: فهنا تنشأ ذكور النحل بالتوالد العذري بدون تلقيح ذكر، وهناك يخلق الله عز وجل عيسى عليه السلام من مريم العذراء بلا ذكر!

    ورحم الله ابن القيم فقد ذكر إحدى آيات النحل الكبرى التي قل من يتفطنها. إذ قال عنها: ”إذا ذَهَبَتْ إلى المرعى أخذت تلك الأجزاء الصافية التي على الورق من الورد والزهر والحشيش وغيره وهي الطل فتمصها وذلك مادة العسل. ثم إنها تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها كالعدسة فتملأ بها المسدَّسات الفارغة من العسل. ثم يقوم يعسوبها على بيته مبتدئا منه فينفخ فيه ثم يطوف على تلك البيوت بيتا بيتا وينفخ فيها كلها فتدبُّ فيها الحياة بإذن الله عز وجل، فتتحرك وتخرج طيورا بإذن الله“.

     فتأمل وجه المناسبة بين نفخ اليعسوب في بيوت العسل، وبين نفخ المَلَكِ الرسول الكريم في درع مريم. فهنا نفخٌ وهناك نفخٌ أيضا! ولا أعجب من ذلك إلا أن يأتيَ القرآنُ باسم مريم فيضعه في الآية (16) من السورة، ليتناسب وروده مع منزلة سورة النحل في القرآن! ومعلومٌ أيضا أن عدد كروموزومات ذكر النحل هو (16)، فأن يضع القرآن سورةَ النحلِ في المنزلة (16) فهذا لعمر الله شيءٌ عُجاب!

     ثم أن يرد اسم مريم للمرة الثانية في السورة في الآية رقم (27)، ليتناسب مع منزلة سورة النمل في القرآن، فهذا أيضا أمرٌ من أعجب العجيب! ذلك أن نتاج ذكور النمل شأنه كذكور النحل لا يكون إلا بالتوالد البكري أو العذري، بدون إخصاب أو تلقيح، أي من غير واسطة أب! (فتبارك الله أحسن الخالقين)!

-------------------------

وكتبه الفقير إلى أرحم الراحمين

لؤي بن غازي الطيبي

أضف تعليق

مقالات ذات صلة