دلائل البيان

التفات من الغيب

تاريخ الإضافة: الجمعة, 23 اكتوبر 2015 - 22:16 مساءً عدد المشاهدات: 777

    يقول الله عز وجل: (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) [الأنفال : 14].  

    نزلت هذه الآية في المشركين الذين أخزاهم الله عزّ وجلّ في معركة بدر. والأمر الذي يشد الانتباه فيها هو أسلوب الالتفات، وهو أسلوب بلاغي، ويكون عندما يتغيّر الضمير في الكلام والمخاطَب أو المتحدّث عنه واحد. كأن تحدِّث أخالك فتقول له: أنت كذا وأنت فعلت كذا، ثم تقول عنه فجأة: لم يعجبه الكلام. فالضمير في (يعجبه) هو نفس الضمير في (أنت)، ولكنك انتقلت في الكلام من صيغة إلى صيغة - من ضمير المخاطَب إلى ضمير الغائب - لغرض بلاغي، إما لتنبيهه أو لإثارة مشاعره.

    وهكذا كان الالتفات في الآية الكريمة، فبعد أن كان الضمير هو ضمير الخطاب ( ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ)، أي: العذاب الذي حذركم منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأتاكم به القرآن العظيم، وكنتم به تستهزئون.. انتقل القرآن العظيم من الخطاب إلى الغيبة، فبدل أن يقول: وإن لكم عذاب النار! قال: (وأن للكافرين عذاب النار). وفي هذا الالتفات يتجلى إعجاز هذا الكتاب العظيم.

    ذلك أن الله عز وجل يعلم أن ممن كانوا كافرين في أثناء معركة بدر سوف يسلمون ويحسن إسلامهم، وكان منهم: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم.. فلو قال سبحانه: وإن لكم عذاب النار، لدخل هؤلاء في هذا الحكم، ولكنه عزَّت كلمته قال: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)، أي: مَن يبقى منهم على كفره، ومن يدخل في دائرة الكافرين إلى يوم الدين.. 

    وهذه درجة لا يستطيعها أحد! وكيف يهتدي إلى وضعها إنسيٌّ لا يعلم من الغيب شيئا؟ فهذا الحكم الصادر عن الله عز وجل دليل على أنه سبحانه قد علم ما في عمق فؤاد من كانوا كافرين في أثناء معركة بدر، وأن منهم من سيتحولون من الكفر إلى الإسلام، وأنهم سيموتون على الإسلام، ولقد كان الأمر كذلك، فدلت الآية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.

-------------------------

وكتبه الفقير إلى أرحم الراحمين

لؤي بن غازي الطيبي

أضف تعليق

مقالات ذات صلة