دلائل الأرقام

سورة المدثر والتحدي

تاريخ الإضافة: السبت, 12 ديسمبر 2015 - 04:44 صباحاً عدد المشاهدات: 984

    سورة المدثر من الوحي المكي المبكر، فصدرها نزل بعد سورة العلق، وأخرج البخاري أن أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن بعد أن فتر الوحي قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ). ويظهر أن بقية السورة نزلت على مراحل في أوائل العهد المكي. وقوله تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) جاء في الآية الثلاثين من السورة. والمفسرون وعلماء القرآن والسيرة النبوية على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.

    أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال له: يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله. قال الوليد: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك كارهٌ له ومنكر. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برَجَزِهِ وقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته. فقال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر. فلما فكر قال: هذا سحر يُؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) [المدثر: 11-26].

    لقد شهد الوليد للقرآن أول الأمر بجزالة اللفظ وسمُوِّ المعنى وقوة التركيب وعُلُوِّهِ على كل كلام، ووصفه بتلك القطعة الفنية التي لا تُجَارَى. ثم لم يلبث أن استحوذ عليه إلحاح أبي جهل، فهوى به التكلُّف إلى حضيض الكلام، فكفر بالقرآن، وعاند آيات الله، وأدبر عن الحق، واستكبر عن اتباعه، ثم فكر فيه فكرًا يحتال به لباطله، وقدر ما جال بخاطره من أوصاف مما انتحلته قريش بحق هذا الكتاب الكريم. فماذا كان بعد عناء التفكير والتقدير؟! (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ) [المدثر: 24-25]. ألا خيَّبَهُ اللهُ كيف قدَّرَ!

    وظاهرٌ من السياق أن عملية التفكير هذه لم تكن يسيرة، بل أخذت من الوليد زمنًا طويلا. ومما دل على ذلك أمران: الأول: أن القرآن عطف بين الجمل بـ (ثُمَّ) التي تفيد التَّرَاخِيَ: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) [المدثر: 18-23]؛ فلما خطرت للوليد تلك الكلمة الخبيثة عدل القرآن عن (ثُمَّ) واستخدم (الفاء) التي تدل على الترتيب مع الفورية: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ) إشارةً منه إلى أن الوليد ما كادت تَخْطُرُ في باله تلك الكلمة حتى أمسك بها، فألقاها خشية أن تنفلت منه وتضيع، فيخرج إلى تفكير آخر. والأمر الآخر: أن القرآن آثر هنا استخدام كلمة (فَكَّرَ) بدلا من (تَفَكَّرَ)، ليشير إلى أن ابن المغيرة ألقى بكلمته تلك دون تمهُّل أو تريُّث! فإن (التَفَكُّرَ) في تعبير القرآن الكريم هو شرطُ الانتفاع بالآيات، لأنه أوفقُ لمعنى النظر الصحيح، كما جاء في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ) [الروم: 8]، وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الرعد: 3]، وقوله كذلك: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ) [آل عمران: 191].

    وجملة الأمر أن الوليد لم يفكر في القرآن إلا بظلمة الكفر والعناد، وألقى بكلمته الشنيعة تبجُّحًا واستعلاء، ثم أعلن المعاداة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام، وسخَّر كل ما آتاه الله عز وجل من نِعَمٍ للصدِّ عن سبيله وإلحاق الأذى برسوله صلى الله عليه وسلم، وقاوم الدعوة بما ملكت يداه من مال وبما يقدر على كسبه من أعمال، فتوعَّده الله بسَقَر، فقال: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) [المدثر: 26-30].

    ومعلومٌ أن سقر لا يصلاها المؤمن، بل يصلاها الكافر؛ والقرآن يقول على مسمعٍ من الملأ الذين كفروا: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)! وكان الملأ يومئذٍ يتربَّصون بالقرآن، ويجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في كل كبيرة وصغيرة، فلا يُفوِّتون فرصةً قامت لهم في هذا الميدان. ولو كان هذا القرآن من عند غير الله لَرَامَ المشركونَ التطاوُلَ على هذه الآية، وَلَراغُوا إلى صاحبهم أن أسْلِمْ! ولو ظاهرا! فإنها الفرصةُ السانحةُ لتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم: أن يا محمد ألست تزعم أني سأُصلى سقر؟ فها أنا ذا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! ولو أن الوليد قال كلمة التوحيد لأُدين الإسلام في صميمه. لكن هذا الحكم الصادر عن الله عز وجل على الوليد، وهو ما زال في حياة الابتلاء، دليل على أن الله عز وجل قد علم ما في عمق فؤاد هذا الشقي من كفر لن يتحول عنه، وأنه سيموت على كفره؛ ولقد كان الأمر كذلك، فدلَّت الآية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبعد أن أخبر الله تعالى بأنه سيُدخل هذا الكافرَ ­ وأمثالَهُ ­ النارَ، أنشأ يُهوِّلُ من شأنها وعظيم أمرها، فلم يَزِدِ التهويلُ المشركين إلا طغيانًا وكفرا. بل وجعل بعضهم يسخرون من قلة عدة الحراس التسعة عشر الذين يشرفون على تعذيب المعذَّبين فيها، فأخبر تعالى أن أصحاب النار هم ملائكة، وليسوا من البشر، فقال: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً). ثم أخبر أنه جعل عدة الملائكة تسعة عشر لأغراض حكيمة، فقال: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31].

    بيَّنت الآيةُ خمسةَ أغراض من جعل عدة الملائكة تسعة عشر، وقد علل النظم الحكيم هذه الأغراض في متعلقات الفعل (جَعَلْنَا)، وهي كالآتي:

    أولا: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا). والمعنى: وما جعلنا عدة الملائكة إلا سببًا لفتنة الذين كفروا. فاللام هنا للاختصاص، لأن الذين كفروا هم الذين سَخِرُوا من هذا العدد، ولم يدركوا لجهلهم مغزى الحكمة فيه.

    ثانيا: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ). وهذه علةٌ ثانية. والمعنى: وما جعلنا عدتهم إلا سببًا لاستيقان الذين أوتوا الكتاب. واللام هنا للتعليل، ومنشأ الإيقان عندهم أن هذا العدد المذكور في القرآن مذكور في التوراة، فوروده في القرآن يُحدِثُ عندهم اليقين بأن القرآن وحي من عند الله، لمطابقة معناه معانيَ كتبهم. ولا يقتضي هذا إيمانَ من استيقن، فكثير من الناس يجحدون مع أنهم في أنفسهم مستيقنون.

    ثالثا: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا). وهذا غرضٌ ثالثٌ لجعل العدة تسعة عشر، فهي زيادة إيمان للذين آمنوا، وهم المسلمون الذين يؤمنون بصواب حكمة الله، وإن غاب عنهم مغزاها، لأنهم يعلمون أنها حق وصدق.   

    رابعا: (وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ). وهذا غرضٌ رابعٌ، وفيه توكيد للإيقان عند أهل الكتاب، وتقوية لزيادة الإيمان عند المؤمنين، وأخَّرَ نفيَ الارتياب على الإيقان والإيمان لأنهما سببٌ فيه.

    خامسا: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا). وهذا هو الغرضُ الخامسُ من جعل العدة تسعة عشر. والمعنى: وما جعلنا عدة الملائكة تسعة عشر إلا ليقول ضعفاءُ الإيمان والكافرون: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا)؟! وليس استفهامُ هؤلاء وأولئك حقيقيًّا يُرادُ به الجوابُ! كلا! إنما هو من باب الإنكار والاستغراب. لأنهم نظروا بالعناد فغابت عنهم الحكمةُ، فتردَّدوا، فسألوا، فأنكروا، فاستحقروا، فقالوا: ما الفائدة فيه؟ ولهذا أجاب القرآن على صورة استفهامهم بقوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء). فهذه جملة تشبيهية. المُشبَّهُ فيها هو إضلالُ من شاء اللهُ إضلالَهُ وهدايةُ من شاء اللهُ هدايتَه. والمشبَّهُ بِهِ اسم الإشارة (ذلك). ووجهُ الشبَهِ هو السببية في ضلال من يَضِلُّ واهتداء من يهتدي. والمعنى: فَمِِثْلَ ذلك الإضلالِ الذي حكاه عن الكافرين، يُضِلُّ الله مَن كان مثلَهُمْ في الجهل والعناد. ومثلَ تلكَ الهداية التي هدى اللهُ بها المؤمنين، يهدي الله من أقبل على الحق وأذعن له. والحاصل أنه من تفكر في تلك العدة بظلمة الكفر يزداد ظُلمةً، ومن تفكر فيها بنور الإيمان يزداد نورا.

    وبعد بيان هذه الحِكَمِ الربانية الخمس التي اشتملت عليها الآية، كان لا بد من إبطال تخرُّصات المعاندين بأن جنودَ الله قلَّةٌ، فجاء القرآن بجملة اعتراضية مانعة ليدفَعَ ذلك الوهمَ، فقال: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) كنايةً عن كثرة جنود الله عز وجل وعظمتهم وقوة بطشهم، وقصرًا لصفة العلم التفصيلي بأعداد الملائكة وخصائصها على الضَّمير (هُوَ) العائد إلى (رَبِّكَ)؛ فإن العِلْمَ بعدد خزنة جهنم قد حصل للناس بإعلامٍ من الله تعالى، لكنهم لا يعلمون ما وراء ذلك.

    ثم ختم الآية بقوله: (وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ). والذكرى هي العظة والعبرة الهادية إلى الحق. وقد جوز المفسرون أن يعود الضمير في قوله تعالى (وَمَا هِيَ) إلى العدة التسعة عشر أو إلى سقر أو إلى الآيات المذكورة فيها أو إلى الجنود. ورجَّح ابن عاشور القول الأول وجعله أعلاها. وربط الشوكاني بين القولين الأول والثاني، فقال: ”وما سقر وما ذكر من عدد خزنتها إلا تذكرة وموعظة للعالم“. ورجح البقاعي القول الثاني ولم ينف أن تكون لعدة الملائكة حكمة أخرى ”لا يعلمها إلا هو (اللهُ)، ومن أراد إطلاعه على ذلك من عباده، مع أن الكفاية تقع بدون ذلك“.

    ثم لم يترك القرآن الكريم فُسحةً من القول لمقالة الكفار في شأن عدة خزنة النار، فقال: (كَلاَّ)! وأقسم على ذلك بثلاثة أيْمَان: بالقمر وبما بعده: (وَالْقَمَرِ . وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ . وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ) [المدثر: 32-34]. وما كان للقرآن أن يُقسمَ لأمر عبثي أو اعتباطي. حاشاه! ولهذا أعقب تلك الأَيْمَانَ بجواب عظيم عظيم، فقال: (إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ). وكفى بها حينئذٍ (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) [المدثر: 36]. فبها يحصل الإنذار لكل أحد ممن أقرَّ أو كفر: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) [المدثر: 37]! ولعل في هذه الجملة الأخيرة ما يُزيل أيةَ شُبهةٍ على اعتبار أنها بدلٌ من (للبشر)، والمعنى: نذيرًا لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر. فإن الالتفات من ضمير الغَيبةِ (لمن شاء منهم) إلى ضمير الخطاب في قوله: (لِمَن شَاء مِنكُمْ)، يجعل كل مُخاطَبٍ به هو المقصودَ بذلك القصد الأول.

    وبالجملة، فإنَّ الكلام في سياق العدة 19 واردٌ في مقام المُحاجَّة والاستدلال، وظاهره يؤسِّس لحجة برهانية، قد أنشأها القرآنُ ليدفع ادعاء ابن المغيرة بأن القرآن سحرٌ يُؤثر وأنه قولُ البشر، وليبطل تخرصات المشركين في شأن عدة الملائكة التسعة عشر، ولِيَقصِمَ ظهرَ كل ذي مذهبٍ على غير مذهب الحق، وليُثبت للذين أوتوا الكتاب أن القرآن حق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حق، ويزداد الذين آمنوا إيمانا.

----------------------------------

وكتبه الفقير إلى أرحم الراحمين

لؤي بن غازي الطيبي

أضف تعليق

مقالات ذات صلة